أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

341

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقيل : الجزم على إضمار اللام ، تقديره : ليأخذوا ، كقوله : 2305 - محمّد تفد نفسك كلّ نفس * إذا ما خفت من شيء تبالا « 1 » وهو مذهب الكسائي ، وابن مالك يرى جوازه ، إذا كان في جواب « قل » ، وهنا لم يذكر « قل » ، ولكن ذكر بمعناه ، لأن معنى « وَأْمُرْ » و « قل » واحد . قوله : بِأَحْسَنِها يجوز أن يكون حالا ، كما تقدم في « بِقُوَّةٍ » ، وعلى هذا فمفعول « يَأْخُذُوا » محذوف ، تقديره : يأخذوا أنفسهم ، ويجوز أن تكون الباء زائدة ، و « أحسنها » مفعول به ، والتقدير : يأخذوا أحسنها ، كقوله : 2306 - . . . * سود المحاجر لا يقرأن بالسّور « 2 » وقد تقدم ذلك محققا في قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ « 3 » . و « أحسن » يجوز أن تكون للتفضيل على بابها ، وألا تكون ، بل بمعنى « حسنة » كقوله : 2307 - إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعزّ وأطول « 4 » أي : عزيزة طويلة . قوله : « سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ » جوّزوا في الرؤية هنا أن تكون بصرية ، وهو الظاهر ، فتتعدى لاثنين . أحدهما : ضمير المخاطبين . والثاني : « دارَ » ، وأن تكون قلبية ، وهو منقول عن ابن زيد ، وغيره ، والمعنى : سأعلمكم سير الأولين ، وما حل بهم من النكال . وقيل : « دارَ الْفاسِقِينَ » : ما دار إليه أمرهم ، وذلك لا يعلم إلّا بالإخبار والإعلام . قال ابن عطية : - معترضا على هذا الوجه - « ولو كان من رؤية القلب لتعدى بالهمزة إلى ثلاثة مفعولين ، ولو قال قائل : المفعول الثالث يتضمنه المعنى ، فهو مقدّر ، أي : مذمومة ، أو خربة ، أو مسعرة ، على قول من قال : إنّها جهنم » ، قيل له : لا يجوز حذف هذا المفعول ، ولا الاقتصار دونه ، لأنها داخلة على الابتداء والخبر ، ولو جوّز لكان على قبح في اللسان ، لا يليق بكتاب اللّه تعالى » . قال الشيخ « 5 » : « وحذف المفعول الثالث في باب « أعلم » لدلالة المعنى عليه جائز ، فيجوز في جواب : هل أعلمت زيدا عمرا منطلقا ؟ : أعلمت زيدا عمرا ، وتحذف منطلقا لدلالة الكلام السابق عليه » . قلت : هذا مسلم ، لكن أين الدليل عليه في الكلام ، كما في المثال الذي أبرزه الشيخ ؟ ثم قال : « وأما تعليله » بأنها داخلة على المبتدأ والخبر « لا يدل على المنع ، لأن خبر المبتدأ يجوز حذفه اختصارا ، والثاني والثالث في باب « أعلم » يجوز حذف كلّ منهما اختصارا » . قلت : حذف الاختصار لدليل ، ولا دليل هنا . ثم قال : « وفي قوله » : « لأنها » أي : « سَأُرِيكُمْ » داخلة على المبتدأ ، والخبر فيه تجوز ، يعني أنها قبل النقل بالهمزة داخلة على المبتدأ والخبر . وقرأ الحسن البصري : « سَأُرِيكُمْ » بواو خالصة بعد الهمزة ، وفيها تخريجان : أحدهما : قال الزمخشري : « وهي لغة فاشية بالحجاز ، يقال : أورني كذا ، وأوريته ، فوجهه أن يكون من أوريت الزند ، فإن المعنى : « بيّنه لي ، وأنره لأستبينه » .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) البيت للفرزدق انظر ديوان ( 2 / 155 ) ، العمدة ( 1 / 252 ) ، الصاحبي ( 534 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 6 / 97 ) ، التهذيب « كبر » . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 389 ) .